الدولة الحضارية الحديثة

value="

value="

value="

اصول الدولة الحضارية الحديثة عند الصدر (١) 
محمد عبد الجبار الشبوط
تشير كتابات المرجع الشهيد السيد محمد باقر الصدر الى انه كان ينطلق من رؤية لدولة اسلامية بافق حضاري، بحيث انه اعلن ان الدولة الاسلامية "ضرورة شرعية وحضارية". ومن هذا المنطلق امكن للباحث ان يرصد اصولا للدولة الحضارية في كتابات الصدر المختلفة.
تظهر  هذه الاصول  في ثلاثة ابعاد اساسية هي: البعد القيمي، والبعد السياسي، والبعد الاقتصادي.
وفيما يلي استعراض مختصر  لبعض هذه  الاصول: 
الاصل الاول: فكرة الاستخلاف
طرح السيد الصدر فكرة خلافة الانسان بشكل لم يسبقه اليها احد، وفصّل في امتداداتها السياسية والاقتصادية. وفكرة الاستخلاف هي العمود الفقري للدولة الحضارية الحديثة ومحور منظومة القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري لهذه الدولة. 
وقد استند الصدر في طرحه لفكرة الاستخلاف الى الاية رقم ٣٠ من سورة البقرة التي تقول:"وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً". وطرح الصدر في تفسير هذه الاية النقاط التالية:
١. ان الخلافة تشريف من الله لكل الجنس البشري، وهي ليست متعلقة بشخص ادم فقط.
٢. ان الله اناب الجماعة البشرية في الحكم على الارض واعمار الكون.
٣. وعلى هذا الاساس تقوم نظرية حكم الناس لانفسهم بانفسهم وشرعية ممارسة الجماعة البشرية حكم نفسها بوصفها خليفة عن الله.
وتشكل هذه الفكرة القاعدة الاساس لنظام الحكم في الدولة الحضارية الحديثة، متمثلة في سيادة الامة او الشعب.
الاصل : الديمقراطية بوصفها الحد الادنى.
تشكل الديمقراطية الاساس الثاني للدولة الحضارية الحديثة، بعد اساس المواطنة. ومع ان الكثيرين من المفكرين الاسلاميين كانوا وما زال بعضهم يجاهرون برفض الديمقراطية، الا ان الصدر قبل بايجابيات الديمقراطية، قائلا ان النظرية الاسلامية "تطرح شكلا للحكم يحتوي على كل النقاط الايجابية في النظام الديمقراطي مع فوارق تزيد الشكل موضوعية وضمانا لعدم الانحراف"، وركز على نقطة الالتقاء بين الديمقراطية والاسلام بقوله:"فالامة هي مصدر السيادة في النظام الديمقراطي وهي محط الخلافة ومحط المسؤولية امام الله في النظام الاسلامي." وحين تتعذر اقامة الدولة الاسلامية فان الامة تبقى محافظة على الحد الادنى من سيادتها وخلافتها في الدولة الحضارية الحديثة. 
الاصل الثاني: الفهم الحضاري للقران الكريم ولاصول الدين و لصفات الله في سياق عرضه لمنهجية "التفسير الموضوعي" للقران الكريم، طرح الشهيد الصدر منهجية ضمنية لم يطلق عليها اسما محددا، لكني سميتها "الفهم الحضاري للقران"، وتقوم هذه المنهجية على تتبع الايات القرانية ذات العلاقة بالعمل الحضاري وعناصر المركب الحضاري ومنظومة القيم العليا الحافة به. وقد طبق الصدر هذه المنهجية على منظومة اصول الدين الخمسة، ومنظومة صفات الله، وكشف عن ابعادها الحضارية. وتؤسس هذه النظر لدور ايجابي للدين في الحياة في مجتمع اسلامي مخضرم كالمجتمع العراقي. وهذه مسألة مهمة، لان الفهم غير الحضاري للدين يلعب دورا مدمرا للحياة الانسانية كما فعلت داعش، وكما يمكن ان يفعله "المتشددون الدينيون" في كل مجتمع وكل دين. 
الاصل الثالث: الحداثة
تشكل الحداثة عنصرا مهما من عناصر منهجية التفسير الموضوعي للقران الكريم التي تبناها الصدر والتي تعني توظيف ثقافة العصر في فهم القران، او فهم القران من خلال ثقافة العصر. قال الصدر: ان  المفسر "وظيفته دائما وفي كل مرحلة وفي كل عصر ان يحمل كل تراث البشرية  الذي عاشه يحمل افكار عصره ويحمل المقولات التي تعلمها في تجربته البشرية ثم يضعها بين يدي القران" لتكون "نتائج" هذا التفسير "مرتبطة دائما بتيار التجربة البشرية". وهذا يتطلب الانفتاح على ثقافة العصر، حيث ان لكل عصر حداثته، فضلا عن ثقافات العصور الاخرى مما يشكل حصيلة التجربة الحضارية المتراكمة للبشرية. والحداثة كما هو معلوم داخلة في صلب تعريف الدولة الحضارية الحديثة.

اصول الدولة الحضارية الحديثة عند الصدر (٢)
محمد عبد الجبار الشبوط

الاصل الخامس:  الشرط الاساس لنهضة الامة.
كانت اطلالة الشهيد الصدر على هذا المجال الواسع هو حديثه المبكر عن الشرط الاساس لنهضة الامة. فقد كتب افتتاحية مجلة "الاضواء" التي كانت تصدر في النجف الاشرف انذاك. ومما جاء في تلك المقالة القيمة قوله:
"ان الشرط الاساسي لنهضة الامة -اي امة كانت- ان يتوفر لديها المبدأ الصالح الذي يحدد لها اهدافها وغاياتها ويضع لها مثلها العليا ويرسم اتجاهها في الحياة فتسير في ضوئه واثقة من رسالتها مطمئنة الى طريقها متطلعة الى ما تستهدفه من مثل وغايات، مستوحية من المبدأ وجودها الفكري وكيانها الروحي".
وما يهمنا في هذا النص التأسيس هو مصطلح "المبدأ الصالح". وهو امر يتفق الناس على مفهومه، لكنهم قد يختلفون على مصداقه. ويمكن ان تتفاعل الاراء فيما بينها حتى تسفر عن مفهوم واحد مشترك جامع. ومن اجل هذا طرحتُ فكرة "منظومة القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري"، وهي تتجاوز الثنائيات المتقابلة مثل الديني والعلماني، الاسلامي وغير الاسلامي، وغيرها، لتطرح العناوين القيمية العليا المشتركة بين البشر بغض النظر عن الدين او المعتقد السياسي. 
ان المبدأ الصالح يمكن ان يكون الاسلام بالنسبة لمجتمع اسلامي يؤمن بالاسلام ويطبقه، ويمكن ان يكون غيره في مجتمعات اخرى حققت النهضة مثل اليابان وغيرها. المهم في الامر ان يكون المبدأ الصالح قادرا على تفعيل المركب الحضاري بشكل يحقق النهضة.

الاصل السادس: مفهوم المثل الاعلى
طرح السيد الصدر في سياق حديثه عن حركة المجتمع الحضارية مفهوم المثل الاعلى للمجتمع، وذكر وجود ثلاثة انواع هي: المثل الاعلى التكراري، والمثل الاعلى المحدود، والمثل الاعلى المطلق. وتأتي فكرة الدولة الحضارية الحديثة كهدف يغطي مساحة كبيرة من المستقبل في طريق او سياق الهدف الاعلى المطلق. يمكن ان تكون الدولة الحضارية هدفا اعلى للمجتمع، قابلا للتحقق كما تثبت الخبرة التاريخية للبشرية.

الاصل السابع: الاتجاهات التاريخية الموضوعية
بين الصدر وجود ثلاثة انواع من السنن التاريخية، هي السنن الشرطية، والسنن الحتمية، والاتجاهات الطبيعية او الموضوعية في حركة التاريخ. وما يهمنا هو النوع الثالث. ومن مصاديقه السير التكاملي للبشرية عبر التاريخ. وقد استنتج الصدر هذه الفكرة من الاية ٦ من سورة الانشقاق التي تقول: "يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ". وقد استنتج الصدر من هذه الاية ان حركة البشرية عبر التاريخ هي "سير ارتقائي، وهو تصاعد وتكامل." وقال: "ان كل سير وكل تقدم للانسان في مسيرته التاريخية الطويلة الامد فهو تقدم وسير نحو الله سبحانه وتعالى. وهذا يشمل حتى الجماعات التي تمسكت بالمثل المنخفضة  والالهة المصطنعة واستطاعت ان تحقق لها سيرا ضمن خطوة على هذا الطريق الطويل. نعم! حتى هذه الجماعات التي يسميها القران بالمشركين تسير هذه الخطوة نحو الله. وهذا التقدم، بقدر فاعليته وبقدر زخمه، هو اقتراب نحو الله سبحانه وتعالى، ولكن مع حفظ الفارق بين تقدم مسؤول وبين تقدم غير مسؤول". 
ويدل الاستقراء التاريخي منذ الاف السنين ان الدولة الحضارية الحديثة اتجاه تاريخي موضوعي قابل للقياس. 
الاصل الثامن: المركب الحضاري

في مقدمة الطبعة الثانية لكتاب "اقتصادنا" تعرض الصدر لاشكالية التخلف  في مجتمعات العالم الاسلامي، وطرح مصطلح "المركَّب الحضاري" في سياق شرح فكرته عن منهجية معالجة التخلف وتحقيق النهوض الحضاري والتنمية الاقتصادية. وقال انه اذا اردنا ان نختار منهجا او اطارا عاما لبناء الامة واستئصال جذور التخلف .... يجب ان نفتش ... عن مركب حضاري قادر على تحريك الامة وتعبئة كل قواها وطاقاتها للمعركة ضد التخلف".  
وقد بينتُ ان المركب الحضاري يتألف من خمسة عناصر هي: الانسان والارض والزمن والعلم والعمل. فاذا توفرت منظومة القيم العليا القادرة على تشغيل هذه العناصر تكاملت لدينا المعادلة الحضارية كما يلي:
الحضارة= المركب الحضاري+ منظومة القيم العليا

اصول الدولة الحضارية الحديثة عند الصدر (٣)
محمد عبد الجبار الشبوط

يشكّل الاقتصاد العمود الفقري في حياة الدولة لانه المحور الدي تقوم عليه علاقة الانسان بالطبيعة. وهذه العلاقة هي احد ركائز المجتمع المؤلف من الانسان والطبيعة والعلاقة بين الانسان والانسان من جهة، والعلاقة بين الانسان والطبيعة من جهة ثانية. ولهذا السبب اولى الشهيد محمد باقر الصدر الاقتصاد اهتماما كبيرا في اعماله الفكرية كان صدور كتاب "اقتصادنا" احدى تجلياته الملموسة. 

الاصل التاسع: مفهوم المذهب الاقتصادي وموقع العدالة في بنائه
وفي هذا السياق قدّم الصدر مفهوم المذهب الاقتصادي الذي عرّفه بانه "عبارة عن ايجاد طريقة لتنظيم الحياة الاقتصادية تتفق مع وجهة نظر معينة عن العدالة" و "لاسعاد البشرية". والعدالة كما شرحها الصدر تحتوي على جانبين هما: التكافل العام والتوازن الاجتماعي. 
والعدالة من الاهداف الاساسية للدولة الحضارية الحديثة.

الاصل العاشر: دور الدولة في الحياة الاقتصادية
كتب السيد الصدر كتاب "اقتصادنا" في ذروة الحرب الباردة بين النظام الاشتراكي الذي يضع الحياة الاقتصادية كلها في عهدة الدولة، والنظام الرأسمالي الذي يرتكز على الملكية الخاصة واقتصاد السوق. واستطاع بالاستناد الى الفقه الاسلامي ان يكتشف طريقا وسطا بين هذا وذاك فيما يتعلق بدور الدولة وتوصل الى ان المذهب الاقتصادي الاسلامي يعترف في ان واحد بالاشكال المتعددة للملكية، بما فيها الملكية الخاصة، والحرية الاقتصادية في اطار القانون، وبدور الدولة في الحياة الاقتصادية ومسؤوليتها عن تحقيق العدالة والتنمية. وهذا ما توصلت اليه الدول الرأسمالية، خاصة بعد انهيار الانظمة الشيوعية، واختطت طريقا ثالثا، اقرب الى فكر الصدر، يجمع بين هذا وهذا، كما هو الحال الان في دول رأسمالية كثيرة مثل السويد والدانمارك والنرويج وهولندا وبريطانيا وغيرها. 

الاصل الحادي عشر:  الاخلاق الاقتصادية
تحدث الصدر عن الجانب الاخلاقي في الاقتصاد. وهذا امر مهم من شأنه ان يحرر الحياة الاقتصادية للمجتمع من الاحتكار والجشع والارباح الفاحشة والتمايز الطبقي والفقر. لا يتحرك الاقتصاد عن الصدر خارج اطار الخير والعدالة. وهذا اصل تسعى الدولة الحضارية الحديثة الى تحقيقه. 

الاصل الثاني عشر:  مفهوم السياسة الاقتصادية والتخطيط الاقتصادي

يشكل العلم العنصر الرابع في المركب الحضاري. وندرك الان اهمية العلم في بناء الدولة والتنمية الاقتصادية ومجمل السلوك الانساني. وقد بين الصدر اهمية التخطيط العلمي في وضع السياسة الاقتصادية للدولة، وبين ان السياسة الاقتصادية ليست جزءا من المذهب الاقتصادي الاسلامي، حيث ترك الاسلام للدولة ان تدرس الشروط الموضوعية للحياة الاقتصادية وتضع في ضوء ذلك السياسة الاقتصادية المحققة لزيادة الانتاج وتنمية الثروة. وهذا امر يتولاه العلم الحديث في الدولة الحضارية الحديثة.

الاصل الثالث عشر: مفهوم في سبيل الله
عبارة "في سبيل الله" تركيب لغوي استحدثه القران الكريم. ومن اجل توظيف هذا التركيب توظيفا حضاريا اقترح الصدر تعريفا مبتكرا له بقوله:" ... سبيل الله هو التعبير التجريدي عن السبيل لخدمة الانسان ؛ لأن كل عمل من اجل الله فإنما هو من أجل عباد الله ؛ لأن الله هو الغني عن عباده ، ولمّا كان الإله الحق فوق أي حدٍّ وتخصيصٍ لا قرابة له لفئة ولا تحيز له إلى جهةٍ ، كان سبيله دائماً يعادل من الوجهة العملية سبيل الإنسانية جمعاء ، فالعمل في سبيل الله ومن أجل الله هو العمل من أجل الناس ولخير الناس جميعاً ... " 
الاصل الرابع عشر: مفهوم العمل الصالح
العمل هو العنصر الرابع في المركب الحضاري، وعنه قال الصدر: "ان الاسلام يقيس قيمة الاعمال بالدوافع والمقدمات والاطارات الفكرية العامة التي تختمر بذرة العمل ضمن نطاقها.فالاطار الفكري العام الذي يقرره الاسلام هو: الايمان بالله واليوم الاخر، والدوافع هي: العواطف والميول الخيرة التي تنسجم مع هذا الاطار العام، وتندمج معه في وحدة روحية بتكون منها الانسان المسلم. والعمل الصالح هو: العمل الذي ينبثق عن هذه العواطف والميول ضمن الاطار العام".
تم

"

"

"